اسماعيل بن محمد القونوي

270

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 109 ] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 109 ) قوله : ( فيجازي كلا بما وعد له وأوعد ) أي كل واحد من السعداء والأشقياء قوله بما وعد له ناظر إلى المؤمنين وأوعده أي بما أوعده للكافرين ففيه لف إجمالا ونشر على الترتيب لا ينقص من ثوابهم شيئا ولا يزيد على ما يستحقونه من العذاب شيئا ما فالجملة مقررة لما قبله من جزاء الفريقين وقيل هي معطوفة على الأول كأنه يقول : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ [ آل عمران : 108 ] لأنهم عبيده ومخلوقوه فلا يريد ظلمهم ومع ذلك مقررة لمضمونها والتفريع يعم المجازاة في الآخرة وغيرها كما في أمور الدنيا لكن خص التفريع بالمجازاة لمناسبتها بما قبلها . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 110 ] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ( 110 ) قوله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [ آل عمران : 110 ] جملة استئنافية سيقت للتحريض على الدعوة إلى الخير وما هم عليه من الاتفاق على التوحيد وسائر ما ثبت حقيته بالنص القاطع . قوله : ( دل على خبريتهم فيما مضى ولم يدل على انقطاع طرأ كقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ النساء : 96 ] أشار إلى جواب إشكال بأن صيغ الماضي دلت على حصول صفة فيما مضى وعلى انقطاعه فيما سيأتي فأشار إلى جوابه بأن صيغة كان مخالفة لسائر صيغة لأن دلالته على الكون على صفة فيما مضى مجردة عن الدلالة على الانقطاع الطارىء فلا يلزم عدم كونهم خيرا الآن ثم أيده بقوله كقوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ النساء : 96 ] ولم يتعرض لبيان تجردها عن الدلالة على العدم السابق أيضا كما في الكشاف لعدم توقف المقصود على ذلك نعم توحيه كنتم في علم اللّه لا يتم بدون ذلك لكن لا حصر فيه وبالجملة الأهم بيان تجردها عن الدلالة على الانقطاع سواء تجردت عن قوله : دل على خيرتهم فيما مضى ولم يدل على انقطاع طرأ هذا جواب عما عسى يسأل ويقال قوله تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [ آل عمران : 110 ] يدل على أنهم كانوا في الزمن الماضي موصوفين بهذه الصفة وهذا يوهم أنهم ما بقوا الآن على هذه الصفة فأجاب بأن كان يدل على وجود الشيء فيما مضى ولا دلالة فيه على عدم سابق ولا انقطاع لا حق فلا ينافي كلمة كان فيه أن يستفاد من الكلام معنى الدوام فإن قوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [ النساء : 96 ] يفيد معنى الدوام لا على الانقطاع فكذا قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [ آل عمران : 110 ] فإن كان فيه إما تامة أو ناقصة فإن كانت تامة فمعناه وجدتم وخلقتم خير أمة وإذا كانوا مخلوقين على هذه الصفة كانت هذه الصفة دائمة لهم وإن كانت ناقصة كان معناه كنتم في علم اللّه تعالى أو في اللوح المحفوظ أو في الأمم السالفة خير أمة وفهم الدوام منه ظاهر ولاستفادة معنى الدوام عن كان هذه سميت عند النحاة لكان الدائمة أقول يجوز أن يكون كان فيه بمعنى صار والمقصود بيان ترقيهم من مرتبة عوام الأمة إلى مرتبة الأمر والنهي لما أن صار يدل على معنى الانتقال .